عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

117

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

والنساءُ والطيب فيهما قوَّة الروح ، بخلاف الطعام والشراب ، فإنَّ الإكثار منهما يقسّىِ القلب ويفسده ، وربما أفسد البدن أيضاً ؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ ، فَإِنْ كَانَ لَابُدَّ فَاعِلاً ، فَثُلُثٌ طَعَام ، وَثُلُثٌ شَرَاب ، وَثُلُثٌ نَفَس » ( 1 ) . قال بعضُ السلف : قلَّةُ الطعام عونٌ عَلَى التسرُّع إِلَى الخيرات . وقال آخر : ما قلَّ طعامُ امرئ إلَّا رق قلبُه ونديت عيناه . وقال إبراهيمُ بن أدهم : الشِّبع يميت القلب ، ومنه يكون الفرحُ والمرح والضحك . وقال أبو سليمان : إِنَّ النفس إذا جاعت وعطِشت صفي القلبُ ورق ، وإذا شبِعت ورويت عمي القلب . وقال : مفتاح الدُّنْيَا الشبع ، ومفتاح الآخرة الجوع . وقيل للإمام أحمد : يجدُ الرجلُ رقَّة من قلبه وهو يشبع ؟ قال : ما أرى . ولهذا المعنى شرع اللَّه الصيام ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُواصل في صيامه أيامًا فلا يأكل ولا يشرب ، وإذا سُئل عن ذلك يقول : " إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي " ( 2 ) يُشير إِلَى أنَه يستغني عن قُوت جسده بما يمنحه اللهُ من قوت روحه ، عند الخلوة به والأنس بذكره ومناجاته مما يُورده عَلَى قلبه من المعارف القُدسية والمواهب الإلهية . لها أحاديثُ من ذكراكَ تُشغلها . . . عن الطعام وتلهيها عن الزاد واعلم أنَّ عيش الجسد يُفسد عيشَ الروح وينغصه ، وأمَّا عيشُ الروح فإنَّه يُصلح عيشَ الجسد ، وقد يُغنيه عن كثيرٍ مما يحتاج إِلَيْهِ من عيشه .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 4 / 132 ) ، والترمذي ( 2380 ) ، والنسائي في " الكبرى " ( 4 / 177 ) ، وابن ماجة ( 3349 ) من حديث المقدام بن معدي كرب . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 1965 ) ، ومسلم ( 1103 ) من حديث أبي هريرة .